سيد محمد طنطاوي

286

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إذا كان الأمر كما بينا لكم - أيها الناس - ، فاعتبروا واتعظوا يا أصحاب العقول السليمة ، والعيون الناظرة ، بما جرى لهؤلاء اليهود ، حيث دبر اللَّه - تعالى أمر إخراجهم من ديارهم تدبيرا حكيما ، ونصر المؤمنين عليهم بأيسر طريق ، وجعل ديارهم من بعدهم ، خير عبرة وعظة لكل ذي بصر ، فقد خلفوها من بعدهم شاهد صدق على أن الغدر نهايته الخسران . . وعلى أن النصر إنما هو لمن اتبع الصدق والوفاء بالعهد . . قال الآلوسي : واشتهر الاستدلال بهذه الجملة ، على مشروعية العمل بالقياس الشرعي ، قالوا : لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار ، وهو العبور والانتقال من الشيء إلى غيره ، وذلك متحقق في القياس ، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من حكمته في إخراجهم فقال : * ( ولَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّه عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ، ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ) * . ولفظ « لولا » هنا حرف امتناع لوجود أي : امتنع وجود جوابها لوجود شرطها . . و « أن » مصدرية ، وهي مع ما في حيزها في محل رفع على الابتداء . لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ ، والخبر محذوف . والجلاء : الإخراج . يقال : جلا فلان عن مكان كذا ، إذا خرج منه . وأجلاه عنه غيره ، إذا أخرجه عنه : قال القرطبي : والجلاء مفارقة الوطن ، يقال جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء ، والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما في الإبعاد واحدا - من وجهين : أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد . الثاني : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لواحد ولجماعة . . . « 2 » . أي : ولولا أن اللَّه - تعالى - قد قدر على هؤلاء اليهود ، الجلاء عن ديارهم ، لولا أن ذلك موجود ، لعذبهم في الدنيا عذابا شديدا ، استأصل معه شأفتهم . ولكن اللَّه - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإهلاك لمصلحة اقتضتها حكمته ، لعل من مظاهرها أن يغنم المسلمون ديارهم وأموالهم ، دون أن تراق دماء من الفريقين ، ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال . وجملة « ولهم في الآخرة عذاب النار » مستأنفة . أي : أن هؤلاء اليهود إن نجوا من القتل

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 41 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 6 .